منتدى إسلامي يناقش الأمور الخلافية في الإسلام بكل هدوء و حيادية و الحث على التقريب بين الآراء و توحيد صف الأمة و ذم الإنكار فيما أختلف فيه


    مُقْتَطَفَات من كتاب " إحياء علوم الدين " للإمام الغزالي في الغناء و المعازف

    شاطر

    Admin
    Admin

    ذكر عدد الرسائل : 56
    تاريخ التسجيل : 28/02/2009

    مُقْتَطَفَات من كتاب " إحياء علوم الدين " للإمام الغزالي في الغناء و المعازف

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد مارس 01, 2009 1:25 am

    يقول :
    الأصوات الموزونة باعتبار مخارِجِها ثلاثة، فإنها إما أن تخْرُج من جماد، كصَوْتِ المزامير والأوتار وضرب القضيب والطبل وغيره، وإما أن تخرج من حَنْجَرَة حيوان، وذلك الحيوان إما إنسان أو غيره، كصوت العنادل والقماري ... فهي مع طِيبها موزونة متناسِبَة المطالع والمَقَاطِع، فلذلك يُسْتَلذ سماعها، والأصل في الأصوات حناجر الحيوانات، وإنما وُضِعَتْ المزامير على أصوات الحَنَاجِر، وهوَ تَشْبِيه للصَّنعَة بالْخِلْقَة إلى أن قال :
    فسماع هذه الأصوات يَسْتَحِيل أن يُحَرَّم لِكَوْنِهَا طيبة أو موزونة، فلا ذاهب إلى تحريم صوت العندليب وسائر الطيور، ولا فرق بين حنجرة ولا بين جماد وحيوان فينبغي أن يُقَاسَ على صوت العندليب الأصوات الخارجة من سائر الأجسام باختيار الآدمي، كالذي يخرج من حلقة أو من القَضِيب والطبل والدُّف وغيره، لا يُستثنى من هذه إلا الملاهي والأوتار والمزامير التي ورد الشرع بالمنع منها(1)، لا للذتها، إذ لو كان للذة لقِيس عليها كل ما يَلتذُّ به الإنسان، ولكن حُرِّمَت الخمور واقتضت ضراوة الناس بها المبالغة في الفِطَام عنها، حتى انتهى الأمر في الابتداء إلى كسر الدِّنان، فحُرِّم معها ما هو شعار أهل الشرب، وهى الأوتار والمزامير فقط، وكان تَحْرِيمُهَا من قبيل الاتباع، كما حُرِّمَتْ الخلوة بالأجنبية؛ لأنها مُقَدِّمَة الجِمَاع …… وما من حرام إلا وله حريم يَطيف به، وحكم الحُرْمَة ينسحب على حريمه ليكون حِمى للحرام، فهي حُرْمَة تبعًا لتحريم الخمر لثلاث علل :
    إحداها : أنها تدعو إلى شرب الخمر، فإن اللَّذة الحاصلة بها إنما تتمُّ بالخمر .
    الثانية : أنها في حق قريب العهد بشرب الخمر، تذكِّر مجالس الأنْسِ بالشُّرب .
    الثالث : الاجتماع عليها، لما أن صار من عادة أهل الفِسْقِ فيُمنع من التشبه بهم؛ لأن من تشبه بقوم فهو منهم، وبهذه العلة نقول بترك السُّنَّة، وبما صارت شعارًا لأهل البدعة خوْفًا من التشبُّه بهم، وبهذه العلة يَحْرُم ضرب الكوبة، وهى طبل مستطيل دقيق الوسط واسع الطرفين، وضرَبها عادة المُخنِّثين، ولولا ما فيه من التشبُّه لكان مثل طبل الحجيج والغزو .
    ثم قال : وبهذه العلة لو اجتمع جماعة وزيَّنوا مجلسًا وأحضروا آلات الشرب وأقداحَه وصبوا فيه السَّكَنْجِبين ـ شراب حلو ـ ونصبوا ساقيًا يدور عليهم ويسقيهم، فيأخذون من الساقي ويشربون، ويُحَيي بعضهم بعضًا بكلماتهم المعتادة، حُرِّم ذلك عليهم، وإن كان المشروب مُبَاحًا في نفسه؛ لأن في هذا تشبُّهًا بأهل الفساد .
    ثم ذكر أن العُرْفَ يُحَدِّد ما يُشْبِه الفُسَّاق وغيرهم وقال : فبهذه المعاني حُرِّم المزمار العراقي والأوتار كلها كالعود والصَّنج والرَّباب والبربط وغيرها، وما عدا ذلك فليس في معناها كشاهين الرُّعاة والحَجِيج … وكلُّ آلةٍ يُسْتَخْرَج منها صوت مستطاب موزون سوى ما يَعتاده أهل الشُّرب؛ لأن كل ذلك لا يتعلق بالخمر ولا يُذكِّر بها، ولا يُشوِّق إليها ولا يُوجب التشبُّه بأربابها، فلم يكن في معناها، فيبقى على أصل الإباحة، قياسًا على أصوات الطيور وغيرها، بل أقول : سماع الأوتار ممن يَضْرِبُهَا على غير وزن متناسب مستلذ حرام أيضًا . وبهذا يتبيَّن أنه ليست العلة في تحريمها مجرد اللَّذة الطيبة، بل القياس تحليل الطيبات كلِّها إلا ما في تحليله فساد، قال الله تعالى ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِن الرِّزْقِ ) فهذه الأصوات لا تُحَرَّم من حيث إنها أصوات موزونة، وَإنَّما تُحَرَّم بعارض آخر.
    ثم تحدَّث ( ص 242، 243 ) عن مناسبة النغمات الموزونة للأرواح وتأثيرها فيها إما فرحًا وإما حُزْنًا وإما نوْمًا وإما ضَحِكًا ... وهذا في الشِّعر وفي الأوتار، حتى قيل : من لم يحركه الربيع وأزهاره، والعُود وأوتاره، فهو فاسد المِزاج، ليس له علاج . إن الصَّبي يُسكته الصوت الطَّيِّب عن بكائه، والجَمَل مَع بَلادة طَبْعِه يَتَأثر بالْحُداء ... ومهما قيل بتأثير الغناء في القلب لم يجُز أن يُحْكُم فيه مُطْلَقًا بإباحة ولا تحريم، بل يختلف ذلك بالأحوال والأشخاص واختلاف طرق النغمات، فحكمه حكم ما في القلب .
    ثُمَّ تحدَّث عَنْ غِنَاء الحجيج تشويقًا للحج، وهو جائز مع الطبل والشاهين، لا مع المزامير والأوتار التي هي من شعار الأشرار، وعن غناء الحرب للشجاعة وهو مباح وقت إباحة الغزو، ومندوب وقت استحبابه، وعن الرجزيات التي يستعملها الشجعان وقت اللقاء للتشجيع، وهى كغناء الحرب السابق، يُباح ويُندب، ولكن يُحظر في قتال المسلمين وأهل الذِّمة وكلِّ قتال محظور . وعن أصوات النياحة ليهيج الحزن، فمنه مذموم كالحزن على ما فات، ومحمود كالحزن على التقصير في أمور الدين؛ لأنه يدعو إلى تدارك ما فات، ولهذا جاز للواعظ الطيب الصوت أن يُنشد على المنبر بألحانه الأشعار المُرَقِّقَة للقلب، وجاز له البكاء والتباكي ليتوصل إلى تبكية غيره. وعن السماع في أوقات السرور تأكيدًا وتهييجًا له، وهو مباح إن كان السرور مُباحًا كأيام العيد والعُرْس. وعن سماع العُشَّاق تحريكًا للعشق وتسلية للنفس، وهو حلال إن كان المشتاق إليه ممن يُباح وصاله كزوجته تغنَّي له، وأما من يتمثل في نفسه صورة امرأة لا يَحلُّ النظر إليها وكان يُنزل ما يسمع على ما تَمثَّل في نفسه فهو حرام، وأكثر العشاق من الشباب وقت هيجان الشهوة على ذلك، فهو ممنوع في حقهم، لا لذَاته بل لأمر يرجع إلى نفوسهم، وعن سماع مَن أحب الله، فيَسوقه إليه السماع، وهو حلال .
    ثم تحدَّث عن عوارض المنع وهى خمسة : في المُسمِع ـ أي المُغني ـ والآلة، ونظم صوت، ونفس المستمع، ومواظبته، وكونه من عوام الخلق :
    1 ـ فإذا كان المُسمِع ـ المُغني ـ امرأة لا يحلُّ النظر إليها وتُخشى الفتنة من سماعها، مِثْلها الصبي الأمرد الذي تُخشى الفتنة به، فهو حرام، وليس ذلك إلا لأجل الفتنة، حتى لو كان في المحاورة معها بغير ألحان وفي قراءة القرآن . ونقول : للشيخ أن يُقبِّل امرأته وهو صائم . وليس للشاب؛ ذلك لأنها تدعو إلى الوِقاع في حقه.
    2 ـ إذا كانت الآلة من شعار أهل الشرب والمخنِّثين، وهى المزامير والأوتار وطبل الكوية ( حصرها الغزالي فيها، وأحل ما عدا ذلك مع اختلاف الأعراف، وبخاصة في عصرنا فيما كان من لوازم الشراب الحرام وما كان من غيره ) فهو حرام .
    3 ـ نظْم الصوت إذا كان فيه خَنَا وكَذِب، فسماعه حرام بألحان وغيرها، والمُسْتَمِع شريك القائل، وكذلك ما فيه وصف امرأة بعينها فلا يجوز وصف المرأة بين يدي الرجال ... وذكر أن النسيب وهو التشبيب بوصف الخدود والأصداغ وحُسن القَدّ ـ الصحيح أنه لا يَحْرُم نَظْمُه وإنشاده بلحن وبغيره، وعلى المستمع ألا يُنزله على امرأة معينة فإن نزَّلة فليكن على من تحل له كزوجته.
    4 ـ المستمع إن غلبت عليه الشهوة كالشاب حَرُم عليه الاستماع .
    5 ـ العاصي الذي لم يَغلب عليه حبُّ الله ولا غلبت عليه شهوة، فيُباح كسائر أنواع الملذات المباحة، إلا إذا اتخذه دَيْدَنًا وقصَر عليه أكثر أوقاته، وذلك كلعب الشطرنج، يباح ولكن المواظبة عليه مكروهة جدًا .
    ثم ذكر الغزالي أدلة تحريم الغناء وأبطلها لضعف نسبتها إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإلى صحابته، أو لضَعْفِ الاستدلال .
    فمن الأول حديث " إن الله حرَّم القيْنة ـ المغنِّية ـ وبيعها وثمنها وتعليمها " وهو ضعيف ليس بمحفوظ، وحديث " كان إبليس أول من تغنَّى وناح " لا أصل له عن جابر، وأخرجه بعضهم عن عليٍّ ولم يذكر درجته، وحديث " ما رفع أحد صوته بغناء إلا بعث الله له شيطانين " وهو ضعيف . وحديث " كل شيء يلهو به الرجل باطل..." فيه اضطراب، وقول ابن مسعود " الغناء يُنْبِتُ النفاق " موقوف عليه، والمرفوع إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ غير صحيح . وحديث وضْع ابن عمر إصْبَعه في أذنه مُنْكَر .
    ومن الثانية قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) قال ابن مسعود والحسن البصري والنخعي: إن اللهو هو الغناء. وردُّه بأن الحُرْمَة لعِلَّة الإضلال وليس كلُّ غناءٍ كذلك، بل إنه لو قرأ القرآن ليُضِلَّ عن سبيل الله حرُم عليه، كمن كان يتعمَّد في إمامة الناس في الصلاة أن يقرأ سورة " عبس " لما فيها من عتاب الله لرسوله، وهَمَّ عمر بقتله .

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد مايو 28, 2017 7:41 am